النويري

47

نهاية الأرب في فنون الأدب

أو بيان مقداره ، كما إذا حاولت نفى الفائدة عن فعل إنسان قلت : هذا كالقابض على الماء ، لأن لخلوّ الفعل عن الفائدة مراتب مختلفة في الإفراط والتفريط والوسط ، فإذا مثّل بالمحسوس عرفت مرتبته ، ولذلك لو أردت الإشارة إلى تنافى الشيئين فأشرت إلى ماء ونار فقلت : هذا وذاك هل يجتمعان ؟ كان تأثيره زائدا على قولك : هل يجتمع الماء والنار ؟ وكذلك إذا قلت في وصف طول يوم : كأطول ما يتوهّم ، أو لا آخر له ، أو أنشدت « 1 » قوله : في ليل « 2 » صول تناهى العرض والطول كأنّما ليله بالليل موصول لم تجد فيه « 3 » من الأنس ما تجده في قوله : ويوم كظلّ الرمح قصّر طوله دم الزقّ عنّا واصطفاق المزاهر وما ذاك إلَّا للتشبيه بالمحسوس ، وإلَّا فالأوّل أبلغ ، لأن طول الرمح متناه وفى الأوّل حكمت أنّ ليله موصول باللَّيل ، وكذلك لو قلت في قصر اليوم : كأنّه ساعة ، أو كلمح البصر ، لوجدته دون قوله : ظللنا عند دار أبى أنيس بيوم مثل سالفة « 4 » الذّباب وقوله : ويوم كإبهام القطاة مزيّن إلىّ صباه غالب لي باطله . قال : وقد يكون غرض التشبيه عائدا على المشبه به ، وذلك أن تقصد على عادة التخييل أن توهم في الشئ القاصر عن نظيره أنه زائد ، فتشبّه الزائد به ، كقوله :

--> « 1 » في الأصل : « وأنشدت » والسياق يقتضى العطف بأو كما في حسن التوسل . « 2 » البيت لحندج ابن حندج المرّى . وصول : مدينة في بلاد الخزر في نواحي باب الأبواب . أنظر معجم البلدان لياقوت ج 3 ص 435 ط المدرسة المحروسة بمدينة غتنغة . « 3 » في الأصل : « منه » وما أثبتناه عن حسن التوسل ، إذ هو المناسب لقوله بعد : ( في قوله ) . « 4 » السالفة : صفحة العنق ، أراد هنا العنق كله .